جمال القيسيّ
يحمل لنا التلفزيون الأردني – لا عدمناه - الكثير من الصرعات التي يتفرد بها دون غيره من شاشات العالم؛ ومن آخر هداياه القيمة التي جاد بها تلك الطلة البهية، للأمير المقال بطريقة دراماتيكية في 25 يناير من العام 1999 في توافق تاريخي مثير من حيث الشهر مع انطلاق الثورة المصرية المجيدة العام المنصرم!
ولقد توجه رئيس نادي روما بالشكر لكل من سمح له بفرصة الظهور على الشاشة الفضية، مستذكرا ايام وصفي وابو زيد وشاحبا بصوت التعب في سنوات العمر المجهد ما جعلنا نحس بشفقة إزاء ثقل السنين عليه وهو يخاطب الزميلة المذيعة بـ( يا بنتي) ثم يشبه مجلسه بمضافة أبي محمود التي كانت تحفة التلفزيوم الاردني ذات زمن !
والمذيعة بدت مستميتة في إعطاء اللقاء طابع العفوية المهنية، والتلقائية الإعلامية، ولكن الأمير الذي كان يعصف ولا يكشف، فوت عليها فرصة الظهور النادر في معمعة لقاء حقيقي غير معد بسبق اصرار وترصد، وغير وارد في خاطرنا مناقشة التحرير والتحوير والتدوير المضحك الذي كان يظهر على الشاشة لكلام الضيف!
وفي اللقاء الذي أطل به الأمير الحسن، الذي ملأ الدنيا ضجيجا بدعواته الحارة الى الحوار بين الأديان، رأيناه يضيق لا بحوار بين دينين بل بحوار بين أبناء شعب واحد، وعلى قضية جوهرية واضحة لا لبس فيها ولا عدة رسل يتناوبون على ادعاء ابوتها!
رأيناه يضيق بالمتظاهرين السلميين ويهدد "بتنخيلهم "بصورة غير مسبوقة من أحد، في بلد الاحتجاج فيه افراز حقيقي ومتوقع بالنظر الى مشاكله الكثيرة وأزماته المتفجرة، وبتعبير سلمي يدل على روح مواطنة عال وحس بالمسؤولية.
وتلمسنا بمرارة سخريته المؤذية من ان يكون لنا ساحة نخيل "بمجرد وجود عدة نخلات"، وهو الذي يدري اكثر من سواه ربما بأنه لولا اللصوص والسرسرية في بلدنا لامتلكنا ساحات الجوري والزيزفون ونافسنا اجمل العواصم.
وتوعدنا الأمير، الذي دوّخ الدنيا بحق الناس في الاعتقاد، وطالما دافع عن مقولات الشاطبي في قبول الآخر - فهو إما اخوك في العقيدة أو أخو في الانسانية!- توعدنا بالتنخيل، ويحزنه انتقاد الناس له بأنه منظّر !
ولنذهب الى ما يريد ..
فهل هذه "نظريته" في قمع حق التعبير السلمي بأن يبدأ السؤال: بمن كلفكم أو من فوضكم؟ ومنذ متى يأخذ المتظاهرون تفويضا او تكليفا من الشعب!
أليس من حق، ولو مواطن واحد، أن يعتصم ويحتج ويعبر عن قضيته؟
ولكن ما يعنيني هنا من كتابة هذه المقالة، هو اني أحب أن يعرف سمو الأمير بأن النوم جفاني منذ سمعته يتوعدنا بالتنخيل !
لم انم منذ شاهدت لقاءه، وأريد أن اعرف من سموه "التنخيل" الذي قصده على وجه التحديد ؟ واريد ان أقف منه على الطريقة التي سيتم بها هذا التنخيل، لأن توضيحه في منتدى الفكر العربي لم يقنعني، وزاد التباسي التباسا! .
ماذا تعني (لأنخلكم كلكم) هل ستهز الينا بجذع النخلة فتساقط علينا حجارة من سجيل مثلا ؟
أم أنك ستقطع النخلات القليلة التي سخرت منها، وتضربنا بها على مؤخراتنا، وتسألنا عن آبائنا واجدادنا؟
أم أنك ستضعنا في غربال كبير وتنخلنا؟!
أم أنه التهديد بالقتل ؟ وبأية سلطة؟ أم أنه تهديد شخصي يتم تدبر تنفيذه عبر أرباب سوابق وبلطجية ..بلطجية مثل الذين انتقدت استجلابهم يوم 24 آذار الماضي بكبسة زر !
وهل يستقيم لأمير، أخذ كوفي عنان ذات يوم الى مخيم الوحدات، وأغضب أميركا وأوروبا مرارا وتكرارا، أن يكون رأيه في الربيع العربي بأنه مغالطة تاريخية لا تعبر عنا كعرب؟!
وكيف لأمير يخطب في كل ميادين العلوم والمعارف الانسانية ان يكون رأيه في الهجرات الجيوسياسية الى الأردن بأن" كثر التهلي يجيب الضيف الوسخ"!
وأخيرا هل من "البجاحة" - ولا أعرف معنى "البجاحة" الذي قصده الأمير وكيف نحته من التبجح!- أن تطالبنا بريطانيا بضمانات لمحاكمة مواطنينا ضمن ظروف قانونية موضوعية؟ أم من المعيب أن لا نحقق هذه الضمانات من دون طلب من أحد، حتى لو كان من يتم التحقيق معه نخالفه ونختلف معه على وفي كل شيء، وعلى رأسها مفهوم "الحاكمية" الذي اشتط الأمير في تسطيحه، وإفراغه من دلالاته في ظروف ساعدته عليها طيبة الزميلة المذيعة!