د. محمد أبو رمان
التديّن السائد، عموماً، في المجتمعات العربية والإسلامية، هو أقرب إلى "المنطق الصوري"، ويغلب عليه الاهتمام بالطقوس والشعائر –مع عدم تقليل أهمية ذلك مجتمعياً وروحياً- على حساب روح التشريع ومقاصده والقيم الحاكمة للأحكام الشرعية، ودور العقل في الإبداع والاجتهاد والتجديد.
ثمة حنين كبير ومتطلبات روحية واضحة لدى الشعوب العربية والمسلمة، لعبت دوراً محورياً (مع عوامل أخرى) في النتائج الكبرى التي حققها الإسلاميون مؤخراً، في الانتخابات المصرية والتونسية والمغربية، فعامل "الهوية" كان حاضراً بقوة. لكن الخشية هي من وجهة الإدراك الشعبي العام لمفهوم التدين والالتزام بالإسلام واستحقاقات ذلك، على المستوى الفردي والاجتماعي والسياسي!
تلك هي مهمة النخب المثقفة، بل "الفريضة الغائبة" التي لم تأخذ ما تستحق لتطوير المجتمعات ورفع مستوى إدراكها الديني. إذ ما يصرف من مال وجهد على العلم والمعرفة والفكر لا يعادل شيئاً مما يصرف في مجالات أخرى، كبناء المساجد أو الزكاة أو الحملات الانتخابية، أو الذي تنفقه الحكومات والدول التي تريد "المزايدة" على الإسلاميين في تبنيّ الخطاب الإسلامي.
مناسبة هذه المقدّمة هي الخطوة المهمة التي تبنّاها الديوان الملكي مؤخراً بإنشاء وقفيتي الملك عبدالله لدراسة فكر كل من الإمام أبو حامد الغزالي والرازي –رحمهما الله- وهما علمان إسلاميان، لهما من الإنتاج المعرفي والفكري ما يستحق الاهتمام به وبعثه والإفادة منه في تطوير الخطاب الإسلامي اليوم.
ذلك يقتضي الإشارة إلى ضرورة أن تكون المنح والدراسات المرتبطة بهذين العالِمين ذات طابع نقدي معاصر، فمهما كان الاختلاف مع فكر الغزالي (العالم الصوفي) والرازي (الطبيب والفيلسوف)، ففي فكرهما ما يمكن البناء عليه وتطويره وتعميمه لدى المجتمع. وقد أبدع الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين" في البحث عن المقاصد الروحية للعبادات، وفي التمييز بين العلوم، وبناء فلسفتها، وتقديم مفهوم العلم النافع، والاهتمام به وبالأولويات المعرفية والواقعية. كذلك الحال مع الرازي؛ سواء فيما قدّمه من معرفة دينية في فهم القرآن الكريم أو علم الكلام في المواءمة بين الدين والعقل، أو الفقه الإسلامي.
المهم أن تمنح هذه الوقفيات الجديدة شروطاً مغايرة لما يجري اليوم في جامعاتنا، وأن يتم وضع شروط تراعي أهمية عدم التكرار والاجترار، واعتماد مبدأ الكتابة المنهجية النقدية.
الفكرة، بحد ذاتها، رائعة وتتطلب التعميم في الجامعات الأردنية، ليكون هنالك كرسي لابن خلدون وابن تيمية والشاطبي وابن رشد والإمام محمد عبده، وغيرهم من علماء ومفكرين مسلمين، يتم إعادة التعريف بما أبدعوا وفق قراءة جديدة تؤسس لفهم مجتمعي جديد يقوم على الفهم المقاصدي وتعزيز دور العقل في العلوم الدينية أو في تديّن الناس.
القطاع الخاص تقع عليه المسؤولية الكبرى اليوم في دعم هذه الفريضة الغائبة وتشجيعها، ليس فقط على صعيد المعرفة الإسلامية والدينية، بل في شتى صنوفها الإنسانية والعلمية والقانونية، فالمعرفة اليوم هي حجر الأساس في التطور الاقتصادي لأي مجتمع يريد أن ينهض ويتطور.
من دون إصلاح الفكر الإسلامي وتطوير ثقافة الناس الدينية لن تنمو ديمقراطية ناضجة في العالم العربي والإسلامي. وإذا كانت الشعوب العربية قد تحدّت فقه الطاعة والاستبداد وثقافة الخنوع والاستعباد وثارت على حكامها، وحققت حريتها، فإنّ الطريق ما تزال طويلة نحو ترسيخ ثقافة اجتماعية وسياسية جديدة تعزز دور الدين في المسؤولية المدنية والمجتمعية والأخلاقية وسيادة القانون ومبدأ المواطنة، وهي طريق تتطلب نهضة ثقافية ومعرفية موازية.
هذا البريد محمى من المتطفلين. تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته.