ياسر أبو هلالة
من المهم القول، في أجواء التشويش والتخوين، أنني لم أجلس في حياتي مع رئيس الوزراء عون الخصاونة. واستمعت مع والدتي، وهي معلمة متقاعدة عملت في التعليم منذ تخرجها من معهد معلمات رام الله في 1964، إلى حديثه في برنامج ستون دقيقة. ووالدي، رحمه الله، من قبل كان معلما ومؤلفا لمناهج اللغة العربية. وأنا بدأت حياتي مدرسا، وقد تشرفت بالتعرف شخصيا على كثير من قادة حراك المعلمين أثناء تغطيتي له في محافظات المملكة جنوبا وشمالا. أي لو كانت المسألة اصطفافا، لكنت في صف المعلمين لا في صف رئيس الوزراء.
المسألة أكثر تعقيدا من الاصطفافات السهلة، بل هي تمس أولى أولويات حياتنا اليومية. تحدث رئيس الوزراء بلغة عاقلة محترمة عن جميع الخصوم، بمن فيهم المعلمون، ولم يكن شعبويا يفتقر لأصول رجل الدولة، ولا استعلائيا بعيدا عن الشارع. هو بحكم موقعه خصم للمعلم، وللمهندس، ولعمال المياومة، وللمتقاعدين العسكريين، ولكل طالب زيادة. فالموازنة أمانة، وعليه أن يوزعها بعدالة وإنصاف على الموظفين والمتقاعدين والمشاريع والمؤسسات، وفق الأولويات التي تراها أكثرية النواب التي تقر الموازنة.
مأساتنا ليست في الفساد والهدر، بل في توزيع أولويات الإنفاق أيضا. فعندما يكلف تقاطع طرق ثلاثين مليون دينار في بلد فقير، في عهود سابقة، فهذا أسوأ من الرشوة والاختلاس وكل أشكال الفساد. اليوم، لو كان في الموازنة نفقات من هذا القبيل لوجب أن ترحّل لصالح المعلم. وعلينا أن نناقش بشفافية ومسؤولية كل بنود الموازنة، ولا شيء، لا شيء، حقيقة يتقدم على التعليم والصحة. فلا يقبل أن يكون مستشفى الجامعة، المفخرة العلمية التي خرجت أجيالا من أفضل الأطباء في العالم، مهددا بالإغلاق بسبب عشرين مليون دينار، ومثل هذا المبلغ يدفع على بنود أخرى حتى لو كانت القوات المسلحة.
لا تحقق الزيادة، حتى لو تمت، إصلاحا في التعليم. ما يحققه، وهو الإصلاح الحقيقي، توزيع الإنفاق بشكل يجعل التعليم الأولوية الأولى في المجتمع، متقدمة على الأمن والدفاع والأشغال. بمعنى أن تضاعف الرواتب والحوافز للمؤهلين الأكفاء، ويحال سواهم إلى التقاعد، ويعاد الكفؤ المتقاعد إلى الخدمة بحوافز. وعندما يتحول التعليم إلى الأولوية وليس مجرد أولوية، يحدث الإصلاح الحقيقي. اليوم، ما يجري هو نوع من الإصلاح السياسي، بحيث يؤطر المجتمع من خلال جماعات الضغط "اللوبيات". وهي في كل الديمقراطيات تلعب دورا حاسما لا يقل عن الأحزاب السياسية، ولكنها لا تنافسها بل تستخدمها لتحقيق مطالبها.
من مصلحة الحكومة، قبل مصلحة المعلمين، التوصل إلى حل. فالتصعيد لا يخدم أحدا، وستكون النتيجة كارثية تربويا وسياسيا. إن حصاد ثمار الحراك الإصلاحي لم يتم حتى الآن، والمأمول أن يكون وفيرا في عام "يغاث فيه الناس وفيه يعصرون". والمحذور أن تنجح قوى الفوضى في حرق ما زرع في عام؛ فتلك القوى عاجزة عن تحقيق أي حضور في أي مشهد ديمقراطي، وما يهمها تعميق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وصولا إلى فوضى يعلو فيها صوت الضجيج والصراخ.
هذا البريد محمى من المتطفلين. تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته.