معن بشور•
لم يكن يُعرّف شخصه بموقع قيادي تبوأه وما أكثرها، ولا بمحفل فلسطيني أو عربي أو دولي كان فارسه وهي عديدة، بل باسمه كانت تعرّف المواقع، وبمعياره تقاس المواقف.
ثلاثة أرباع قرن ونيّف أمضاها بهجت أبو غربية (أبو سامي) في ميادين الكفاح مع كفاح فلسطين ومن اجلها، في حارات مدينته القدس وفي سبيلها، ومع ذلك ما هان أبو سامي وما لان، مبدئي حتى العناد، صلب كالصخرة، دمث كبستان عابق بالعطر، معطاء كبحر، متدفق كشلال.
عرفته في أغوار الأردن في أواخر الستينات متنقلاً بين قواعد الفدائيين كأنها بيوت في منزله المتواضع، متحدثاً إليهم كقائد وكأب وكمرشد، يضع بين أيديهم خبرته في ثورة 1936 وكان يافعاً، وفي حرب 1948 وكان مقاتلاً بارزاً، يقدم لهم رؤيته العميقة والبسيطة في وجه النكسة عام 1967 القائمة على تلازم لا ينفصم بين فلسطين والعروبة، بين الشعب والثورة، بين الغاية والوسيلة، بين الفكر والممارسة.
كما عرفته في مؤتمرات وملتقيات ومنتديات، لم تتعبه السنون، بل العقود، عن القبض على جمر قضيته وهويته، كان الجميع ينتظر ما سيقوله بهجت أبو غربية، وان كان الجميع يعرف مسبقاً ماذا سيقول، إلا انه كان يقوله في كل مرة بأسلوب مختلف، وبوقائع جديدة، وبرؤى متطورة...
من كانت تحرجه، وأحياناً تجرحه، صراحة أبي سامي وجرأته ومبدئيته كان يصغي إليه باحترام واهتمام، مدركاً حسن نواياه وسلامة قصده، أما الآخرون، وهم كثر، فكانوا يتزودون من كلماته غير المتأرجحة، ويستمدون من روحه الشابة المتوثبة، طاقة وعزماً وتصميماً على مواصلة المسار.
قال لي قبل أيام أحد الذين التقوا به مؤخراً: كل شيء في بهجت أبو غربية أضنته السنون، بل العقود، الممتلئة بالتحديات والصعوبات، التي عاشها المناضل الكبير، إلا أن فكره وعقله فقد كانا يتوهجان كما لم يكونا من قبل، كيف لا وهو يرى إن الأمة التي راهن دوماً عليها تثور على القيود التي كبلتها طويلاً، والتسويات المذّلة التي طالما حذّر منها تتعثر، ومصر التي أحبها بكل جوارحه، وتعلّق بقائدها الراحل جمال عبد الناصر دون تردد، تستعيد هي الأخرى حضورها في الميادين على طريق استعادة دورها في قضايا الأمة.
سيفتقد المناضلون والمقاومون غداً قامة بهجت أبو غربية التي أدمنوا الإعجاب بصلابتها، لكن صورة أبي سامي وصوته ورأيه ورؤيته لن تغيب عن البال أبداً، وكيف تغيب فلسطين القضية التي نذر عمره في سبيلها، وكيف تختفي العروبة، الهوية الجامعة التي ما تنكر لها يوماً، أو تردد في الدفاع عنها أو تلكأ عن نصرة قضاياها العادلة.