د. امديرس القادري
عندما يصبح الثوار موظفين في أجهزة الثورة العديدة و فصائلها المختلفة فهنا تكمن الكارثة والطامة الكبرى ، فالثائر الفعلي والحقيقي عندما يلتحق بالثورة فإنما يأتي لكي يعطي لا ليأخذ ، وعند تطبيق هذه الفرضية على الواقع الفلسطيني الراهن فمن الطبيعي أن يكون الضحك سيد الموقف ، فالنكبة واغتصاب فلسطين استدعت قيام الثورة ، وهذه الثورة هي الرحم الذي ولدت منه منظمة التحرير وفصائلها ، وهذه المنظمة هي التي أنتجت وتمخض عنها ما يعرف بالسطة الوطنية وذلك للأسباب الذاتية والموضوعية التي يعلمها القاصي والداني .
وهذه السلطة ومنذ بداية انطلاق قطارها على السكة " الإسرائيلية " و حسب اتفاقيات أسلو التي تحدد بموجبها اتجاه المسار والحركة ، تعاطت مع جميع ما معروض عليها على قاعدة الإسفنجة التي تمتص كل شيء أمامها ، فهذه الإسفنجة تمسح وتمتص ونادرا ما تترك خلفها آثار تدل على مرورها فوق السطح الذي فعلت فعلتها فوقه ، وأية نظرة فاصحة لواقع منظمة التحرير ومؤسساتها وفصائلها تدلل وتؤكد على صحة ما فعلته إسفنجة هذه السلطة فيها .
وهكذا وعبر هذه السياسة فقد تهيأت لهذه السلطة ولجميع قيادات صفوفها الأولى كل الظروف والمناخات المناسبة جدا لفرض الإستبداد والتفرد بالقرار الفلسطيني وعلى مختلف الأصعدة ، وخير مثال على ذلك نستطيع الإستدلال عليه من خلال المرور على المناصب المختلفة التي يتبوأها الرئيس أبو مازن ، فهو رجل الدولة " الوهمية " الأول ، وهو الأول في المنظمة والسلطة وحركة فتح ، وسيكون الأول أيضا في الحكومة القادمة من خلال موافقته على أن يكون رئيسا لوزراءها و بموجب ما نص عليه اتفاق الدوحة المبرم بينه وبين السيد خالد مشعل وهو الرجل الأول في حركة حماس .
وعلى افتراض أن لهذه " المواقع " قيمة فعلية على أرض الواقع ، أفلا يحق لنا أن نتساءل عن حقيقة إمكانية ومقدرة شخص واحد حتى يستطيع النهوض بمتطلباتها واحتياجاتها ، وهنا لا ننسى بطبيعة الحال عمر هذا الشخص والذي يقترب من إكمال الثمانين سنة من حياته ، وما يبعث على الأسى والضحك في ذات الوقت ، أن هذا الرجل وفي كل مرة يلمح فيها إلى رغبته وقراره بترك هذه المناصب يخرج علينا أفراد الجوقة الملتفة حوله بتصريحات رافضة لتمنياته ورغباته ، بل إن البعض منهم لا يخجل من ابداء التوسل اليه حتى يبقى في جميع مناصبه ، وكأنه القدر المحتوم الذي يجب أن يتناوله شعبنا على مائدة الإفطار والغذاء والعشاء ، وبعكس ذلك فسوف يموت جوعا .
أليس في هذه الصورة المفروضة والراكبة على أكتاف هذا الشعب وقضيته ما يستدعي المطالبة بالتغيير ؟ وإذا صدقت رواية هذا الربيع العربي ، فكم ربيعا تحتاج إليه فلسطين يا ترى ؟ ومن أين يجب أن يبدأ هذا الربيع في تنفيذ فعل التغيير المطلوب ؟ فقبل بضعة شهور اشتعلت النار حول اسم الدكتور سلام فياض وتعطلت المصالحة ، وها هي ذات النار تنطفىء حول اسم الرئيس عباس ، وتتحول إلى بردا و سلاما و بجرة قلم " قطري " في الدوحة ، وهذا طبعا يدلل على أن الأغلبية قد أدمنت هواية الجري وراء الأشخاص والأسماء ، وبالتالي فلا أحد يلتفت إلى مؤسسية العمل أو إلى البرامج والخطط .
التغيير الفلسطيني يجب أن يبدأ من الفصائل والحركات والأحزاب ، فغالبية الأنظمة الداخلية التي تحكم عمل هذه التنظيمات تنص على ضرورة التجديد في الهيئات القيادية وبنسبة لا تقل عن الربع ، ولكنني ومن خلال إطلاعي على الصورة الراهنة أتمنى أن نرى تغييرا مختلفا على هذا الصعيد ، بحيث يبقى الربع فقط وأن يتم التجديد للثلاثة أرباع الأخرى الباقية ، هذه هي محطة التغيير الأولى ، أما الثانية فيجب أن تذهب نحو منظمة التحرير وبما ينسفها من جذورها ويعيد بناءها لتعود إلى سيرتها التي انطلقت على أساسها من أجل التعبئة والتحرير والعودة ، وبعد ذلك ، فعلى الطرفان من الفصائل والمنظمة الإنقضاض على هذه السلطة حتى يتم محوها من الوجود ومن التاريخ الفلسطيني لأنها لم تلحق به سوى الضرر والأذى والعبث والتلاعب .
الإنتهاء من هذه السلطة ، يعني الخلاص والتحلل من أوسلو اللعين والذي لم يجر على القضية سوى الويلات والخزي والعار ، وهكذا تعود المنظمة من جديد ممثلا شرعيا ووحيدا لفلسطين وقضيتها الوطنية العادلة ولشعبها الصابر والصامد والمكافح .
هذا هو الذي يجب أن يحدث ، وهذا هو المخرج الوحيد لدفن المفاوضات ، والسلام الكاذب ، وكل هذه العملية السياسية العبثية والهزلية ، هذا ما يجب أن يكون إذا أردنا العودة الصادقة إلى النضال والكفاح والمقاومة ، هذا هو مفتاح الفرج الذي سيخرجنا من الذل والهوان الذي نحن فيه حتى ولو استدعى ذلك العودة إلى العمل السري ومن تحت الأرض ، وهذه ستكون أجمل الهدايا التي سيقدمها شعبنا وقواه الوطنية لهذا الربيع العربي الذي سيتم عندها اختبار كل نواياه وتوجهاته من فلسطين قضية العرب والمسلمين الأولى ، ومن القدس وكل المقدسات ، ومن بني صهيون الذين لا يتوقفون عن تخريب الديار لا في الليل ولا في النهار .
فلسطين بحاجة إلى دماء جديدة ، وهذه الدماء لن تتوفر إلا من خلال كوادر شابة يافعة لها زنود قوية لا تلين ، ولها خبطة قدم لا تتزحزح عن أرض الحق الذي لن يضيع أبدا ، وهنا كم أرجو وأتمنى من كل الأسماء التي شابت وضعفت أن تختار طوعا الإنسحاب والتنحي وقبل أن تتلاشى ذرة الإحترام والتقدير الأخيرة التي يكنها شعبنا لها حتى الآن ، وهنا ، فإنني لا أرجو من الرئيس أبو مازن بل أتوسل إليه أن يكون على مستوى مسؤلية الكلمة التي نطق بها لسانه ، ليصبح أول المنسحبين وليكون مثالا ونموذجا يحتذى لكل المتسلقين على ظهره .