د. محمد أبو رمان
ربما يكون مفهوماً تباطؤ الحكومة في طرد السفير السوري من عمان، أو استدعاء سفيرنا في دمشق، أسوة بدول عربية أخرى، لأسباب استراتيجية معلومة. لكن ما يثير الاستغراب حالة التخبط والاضطراب في التعامل، أولاً، مع ملف المعارضة السورية في عمان، وثانياً ملف عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين في الأردن.
تحاول دوائر القرار ألا تصل بالعلاقة مع الطرف السوري إلى "قطع شعرة معاوية"، بالرغم من الهجوم الشديد الذي تشنه وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية هناك، على الأردن. ويلخص رئيس الوزراء المعادلة بأنّ لدينا مصالح استراتيجية مع سورية، وأضرارنا كبيرة من العقوبات في حال تمّ توقيعها. في المقابل، لا يمكن، أخلاقياً، تبرير ما يحدث هناك أو السكوت عليه، فالحكومة تحاول مراعاة مصالح الأردنيين والسوريين على السواء.
يدلّل الرئيس على ذلك بوضع الأردن الخاص عندما وقّع مجلس الأمن العقوبات الدولية على نظام صدام حسين، وهو إجراء سيحرص الأردن على تكراره مع "السيناريو السوري".
إلى هنا، يمكن أن نفهم –وليس بالضرورة نقبل- التحفظات الأردنية تجاه الموقف من النظام الدموي في دمشق. لكن ما لا يمكن أن نفهمه حالياً عملية التضييق الكبيرة التي تتم ضد المعارضة السورية الناشطة في الأردن منذ ثلاثة عقود، ومنعهم من الإدلاء بتصريحات، بل والتهديد بالتسفير والاعتقال في حالات عدة، فهذه السياسة لا نجد ما يفسّرها أو يبرّرها!
إذا عدنا إلى الثمانينيات، فإنّنا الدولة الأولى التي احتضنت اللاجئين السوريين الهاربين من جحيم حماة، إذ لجأ آلاف السوريين المعارضين إلى الأردن، وجزء كبير منهم اندمج في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهم مدينون لهذه البلاد بالرعاية والحماية وحسن الضيافة. فلا يعقل أن نقلب الآية اليوم ونمارس التضييق عليهم وعلى السياسيين اللاجئين الجدد، وهم يدافعون عن حقهم في الديمقراطية وتقرير المصير والحياة الكريمة، وهو حق تكفله القوانين الدولية كذلك!
إذا كان بعض مثقفينا وكتّابنا اليساريين والقومجيين يتذرعون بمصالح الأردن مع نظام "آيل للسقوط"، ويضغطون على الحكومة لاتخاذ مواقف مهادنة له، وعدم طرد السفير السوري من عمان، فمن باب أولى أن نراعي مصالحنا مع الشعب السوري، وأن نراهن على قدرته على التغيير والنجاح في استئصال هذا النظام، كما فعلت دول الثورات الديمقراطية العربية، وعندها لن ينسى هذا الشعب المكافح موقف الأردنيين، شعباً ودولةً، معه.
ملف اللاجئين السوريين في الأردن يعاني هو الآخر من ارتباك الإدارة الرسمية وغموض الموقف السياسي. ولعل الملاحظة الأساسية هنا أنّ الحكومة الأردنية تحاول دائماً التقليل من أهمية هذا الملف ومن أعداد اللاجئين أو "الضيوف" السوريين، كما تحب الحكومة أن تطلق عليهم، على الأراضي الأردنية.
الموقف الرسمي يتحدّث عن عدد لا يتجاوز العشرة آلاف، وهو رقم يعلم القاصي والداني أنّه غير صحيح، لأنّ ما نراه بأعيننا يخالف ذلك، فيما تتحدث جهات إغاثية داخلية وخارجية، غير رسمية، عن عدد يكاد يصل إلى مائة ألف لاجئ سوري إلى الأردن.
لماذا الغموض الرسمي؟.. لا نعرف جواباً دقيقاً لذلك، فالأصل أن يكون العدد الكبير مدعاة لزيادة الدعم الدولي الإنساني والعربي الإغاثي للأردن، ليستطيع إعانة هؤلاء، وأغلبهم يعانون من ظروف إنسانية صعبة، ولا يملكون قوت يومهم، فضلاً عن المأوى والمسكن والتعليم والصحة، وما يلزمهم من الحدود الدنيا من الشروط الإنسانية للحياة!
بل حتى هنالك تضييق وتحجيم لجهود الإغاثة غير الرسمية، ومحاولة طمس الملف تماماً في الإعلام، وهو موقف لا يخدم قدرتنا على القيام بالجانب الإنساني ولا مصالحنا الاقتصادية!