معن بشور
كان مسكوناً بالتوثيق، خصوصاً توثيق الحركة القومية العربية التي عاش مصطفى الدندشلي في كنفها منذ أيام الفتوة في صيدا حتى الرحيل الأخير...
كان من الذين يعتقدون أن التوثيق، خصوصاً التاريخي منه، هو المادة المحصنة لأي تقييم، والمرشدة لأي تحليل، والكاشفة لأي ضبابية تصاب بها الرؤى، لذلك كان ذاكرة حيّة بكل ما في الكلمة من معنى، يجمع الوثائق، يجري المقابلات، يناقش السائد من الانطباعات، بل كان مرجعاً يفيء إلى علمه كل من يريد المعلومة الموثوقة، والبيان الصحيح.
التقيت به أبان توقيعه كتابه الأخير في معرض الكتاب العربي الدولي الذي ينظمه كل عام النادي الثقافي العربي، وقد تحلّق حوله كوكبة من أصدقاء لم ينج واحد منهم من مقابلة أو سؤال أو محادثة أو استفسار كان يحمله إليه أبو عمران ليتأكد مما يكتب، وليوثق ما ينشر...
كان مصطفى الدندشلي أيضاً منتدى بكامله، أينما وجد، في الجامعة، أم في المقهى، أم في أكثر من مركز أسسه في مدينته الحبيبة صيدا علّه يشعل فيها حراكاً ثقافياً يطغى على أنواع أخرى من التحركات والعصبيات، لم يكن يستهويها، بل كان وأمثاله يخشاها أحياناً كثيرة.
وكان مصطفى صاحب موقف مبدئي في قضايا الوطن والأمة، نشأ على مقاومة الاستعمار، وشبّ على رفض الاحتلال، ورحل وهو يحذّر من التدخل الأجنبي بكل أشكاله.
كان مناضلاً صيداوياً أصيلاً لم يغب عن واحدة من معارك المدينة النضالية، وطنية كانت تلك المعارك أم تحررية، أم اجتماعية.
كان لبنانياً وطنياً رافضاً قيود الطائفية والمذهبية وعصبياتها القاتلة، وكان عربياً وحدوياً لم يدخل عقله وقلبه اليأس لحظة واحدة من قدرة أمته على مواجهة كل الصعاب والعقبات التي تحول دون نهضتها.
وكان أخلاقياً في سلوكه، كما في فكره، فلم يتعصب لرأي أكتشف خطأه، ولم ينكر صواباً أوصلته إليه قناعته، فظلمه البعض واحترمه الكثير...
رحم الله مصطفى الدندشلي ضمير وطن وذاكرة أمة.