أحمد الزرقان
فضيحة مدوية لمجلس النواب تضاف لسلسلة فضائحه السابقة, وتزوير فاضح ومخز عينك عينك وأمام الملأ وعلى رؤوس الأشهاد بشكل معيب ومنافي لكل القيم والأخلاق والأنظمة واللوائح ومخالف للدستور.
الفساد ورموزه يكسبون المعركة ضد الوطن والمواطن, ويحققون انتصارا في كل قضية أو ملف ُيفتح لتعرية الفاسدين وفضح جرائمهم, ثم ما يلبث أن يغلق الملف بطريقة سحرية, وبأيدي متنفذين يحكمون البلد كمزرعة خاصة لهم ولغوا فيه فسادا حتى لا تتكشف مخازيهم وجرائمهم.
مجلس النواب الحالي الذي عين فيه عدد كبير بالتزوير كما اعترف مسؤول أمني كبير بذلك, ورغم ذلك يبقى فيه بعض رموز الخير والأصالة وهم قلة قليلة, ولأن المجلس قد قارب على الحل وأفل نجمه استعدادا لانتخابات جديدة, فبعض النواب يسعى جاهدا لتحصيل نجومية مزيفة, وشعبية واهية, بحركات استعراضية مكشوفة, لكي يعيدوا بعضا من هيبتهم التي أضاعوها بمواقف كثيرة وسلبية في غير صالح الأمة إرضاء لولي نعمتهم الذي عينهم بالمجلس.
ومن هنا فقد شكل المجلس (33) لجنة تحقيق بقضايا فساد لها أول وليس لها آخر في الوقت الضائع, وهذه اللجان تأتي ضمن وظيفة المجلس الدستورية في الرقابة والمحاسبة للسلطة التنفيذية.
وبعد أن سارت بعض هذه اللجان بالتحقيق وكان من بينها لجنة التحقيق في قضية بيع أسهم الحكومة في شركة الفوسفات والبالغة ثمان وعشرون مليون سهم بمبلغ (76) مليون دينار وبنصف قيمة السهم في السوق,رغم أن موجودات الشركة من آليات ومباني وبنية تحتية تبلغ عدة مليارات, ومخزون الفوسفات في الأردن يقدر بحوالي(225) مليار دينار, وهكذا تباع ثروات الوطن الضخمة والمهولة وملك جميع الأردنيين بثمن بخس مقابل عمولات وسمسرات وأثمان تحت الطاولة وفساد عريض.
هذا وقد أثارت تصريحات النائب د. أحمد الشقران رئيس لجنة التحقيق في قضية الفوسفات الرأي العام والصحافة والإعلام, عندما قال: أن شركة الفوسفات بيعت لشركة وهمية مسجلة في بريطانيا برأسمال لا يتجاوز عشرة ألاف دولار.
وبهذا التصريح الجريء نكش هذا النائب عش الدبابير في مؤسستي الديوان والمخابرات العامة, وبعدها بدأت التحركات والضغوطات الكبيرة والمؤثرة لإنهاء عمل هذه اللجان كما اعترف بذلك بعض النواب, ونتيجة لذلك قام (75) نائبا من نواب (الألو) الذين يتحركون على كبسة زر بالتوقيع على مذكرة لحل لجان التحقيق في مجلس النواب وتحويل القضايا إلى هيئة مكافحة الفساد التي شكلتها الحكومة, ولما انفضح أمر هذه المذكرة أمام الرأي العام مما سبب للموقعين حرجا كبيرا أمام قواعدهم وخسروا شعبيتهم, فبادر(45) نائبا بسحب توقيعاتهم عن المذكرة , ومع ذلك طرح رئيس المجلس المذكرة للتصويت بصفة الاستعجال, فصوت عليها (30) نائبا ولكن إدارة المجلس فاجأت المجلس والجمهور والصحفيين أن (56) نائبا قد صوت لصالح حل لجان التحقيق, وكانت هذه مناسبة كبيرة لكي يكسب بعض النواب الشعبية ويبيضوا صفحاتهم السوداء السابقة, فأخذوا يصرخون ويهتفون "تزوير..تزوير..عيب وفضيحة..الفساد انتصر..الفساد مسيطر.. نواب الألو فازوا" ويقسمون أمام الصحفيين أنه لم يصوت لصالح المذكرة سوى ثلاثون نائبا وأن إدارة المجلس زورت عدد الأصوات ورفعتها إلى ست وخمسون من أصل مئة وسبع نواب, وانسحب غالبية النواب من المجلس بعد ذلك.
ويبرز سؤال كبير هل من المعقول أن يصوت النواب عن التخلي عن صلاحيتهم ووظيفتهم التي حددها لهم الدستور؟؟ وهل التصويت على تعطيل مهمتهم بالمراقبة والمحاسبة للحكومة جائز دستوريا؟؟ ومن يحاسبهم على هذه الكبائر والفضائح المدوية مستقبلا غير الشعب؟؟
مما حدا بالنائب الفاضل الجريء وصفي الرواشدة أن يقول " أن ما حصل في مجلس النواب يثبت أن مؤسسة الفساد في الأردن مؤسسة قوية ولها نوابها وأعيانها ووزرائها وأجهزتها الأمنية وجيشها ومفكريها وأبواقها وأن دائرة المخابرات العامة هي التي تؤمن الحماية الكاملة لمؤسسة الفساد".
هذا وقد حدثني الأخوين النائب جعفر الحوراني و النائب موسى الوحش اللذين كانا في اللجنة المالية في مجلس النواب عندما بيعت أسهم شركة الفوسفات في 6/3/2005 , وقالا: إن مجلس إدارة الشركة فزعوا إلى النواب يشكون لهم أن هذا البيع ليس في صالح الأردن, وأن الصفقة مجحفة, وأن أرباح الشركة في هذا العام عشرون مليون دينار وستصل إلى أربعون مليون دينار العام القادم, وبينوا أهمية الشركة للاقتصاد الوطني, وتشغيل المواطنين وأن موجوداتها ومخزونها يشكلان رافدا ضخما للإقتصاد الوطني, وقالا: كنا كلجنة مالية على موعد مع وزير المالية زياد فريز ومدير التخاصية محمد أبو حمور للنقاش حول بيع هذه الأسهم لثنيهم عن ذلك, فتأخرا عن الموعد ساعة ونصف, ولما حضرا قالا: لا نقاش في الموضوع لقد وقعنا على البيع داخل الديوان الملكي وانتهى الأمر, وقالا النائبان موسى وجعفر: وبعدها عقدنا مؤتمرا صحفيا وفضحنا هذه الصفقة المشبوهة الفاسدة, ولكن الأمور مرت دون ردود فعل شعبية لأن البلد كان يغط في نوم وسبات عميق, وهكذا يتضح لنا أن كل أمور التخاصية وبيع الوزارات والمؤسسات والشركات كانت ضمن قضايا فساد ضخمة وواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار, وفساد زكم أنوف كل الأردنيين نتنه وريحه الفاسدة, ولكن لغاية الآن لم يحاسب احد من رموز الفساد بشكل جدي وواقعي, إلى أن يستلم إدارة البلد أيدي نظيفة وأمينة وجريئة عما قريب بإذن الله, لكنس رموز الفساد وتطهير البلد من هذا الخبث.