شاكر الجوهري
أعرف أن نشر هذا المقال سيثير مدبرة المتمركسين الذين يسعون لأن ينصبوا من أنفسهم، أوصياء، بقلتهم وقلة حيلتهم، على القومية والأمة العربية، التي أداروا ظهورهم لها منذ عقود وعقود، وتحالفوا ضدها في الكثير من المفاصل الهامة من تاريخ العرب الحديث..
هؤلاء انحازوا ضد عبد الناصر وصدام حسين بسبب قوميتهما الجارفة، ولا يتورعون عن لعن "أبو سنسفيل" صلاح الدين الأيوبي لأنه اقام دولة اسلامية تمكنت من دحر الصليبيين..
فضلا عن أنهم يلعنون محققي كل الأمجاد في التاريخ العربي فقط لأنها بنيت في عهد الخلافات الإسلامية..!
أكثر من ذلك هم شغلهم الشاغل السخرية من الدين كونها دينا،
أعرف أنهم سيصعدون نباحهم باتجاه الجميع.. فقط كي يثبتوا موجوديتهم المجهرية..
ولكنهم لن يتمكنوا من وقف قافلة التحرير، وصناعة الغد العربي، وهي الخطوة التي لا يمكن أن تتم إلا عبر اخضاع الأنظمة القائمة لسلطة الشعب، من خلال صناديق الإقتراع.
ونبدأ، لم يهاجم المنحازون إلى النظام السوري دولة قطر..؟
سؤال يفرض نفسه في خضم السجالات المريرة بين القلة العربية القليلة المنحازة لنظام الرئيس بشار الأسد, والأغلبية الساحقة المنحازة إلى جانب الشعب العربي السوري في دفاعه عن النفس, الذي عز نظيره في تاريخ الشعوب العربية.
من يعرف خارطة المعادلات لأوساط الجهات اليسارية التي تحولت من التسابق على الظهور اليومي على شاشات قناة الجزيرة، إلى الردح اليومي لدولة قطر, يدرك أن السر في الحالتين واحد.
إنه المصلحة الذاتية بعيداً عن أي مصلحة عامة يزعمها هؤلاء.
قناة الجزيرة كانت, ولا تزال تنقد كل من يظهر عليها, الأجر المقرر, بموجب لائحة معتمدة، كما هو شأن كبريات القنوات العالمية. وحين أعلن النظام في سوريا الحرب على الفضائيات عموماً, وقناة الجزيرة خصوصاً, لم يعد بإمكان هؤلاء مواصلة الظهور على قناة الجزيرة, جراء حسبة تأخذ في الإعتبار أن توقف دفع قناة الجزيرة لضيوفها, يجب أن لا يقابله كذلك خسارة الحاضنة التي توفرها دمشق..!
ثقة الدولة القطرية العالية بالنفس, تحول دون أن ترد على منظمهة أو فصيل..!
غير أنه من حق الرأي العام أن يعرف حقائق الأمور.
كبار السياسيين في العالم يحارون في فك تركيبة معادلة السياسة الخارجية القطرية، على سهولة الأمر..
يحارون في معرفة كيف تنجح قطر في اقامة علاقات متوازنة مع المتناقضات..
علاقات حميمة مع كل من طهران وواشنطن..
علاقات متوازنة مع كل من حركتي "فتح" و "حماس"..
علاقات متوازنة مع كل من سوريا وعراق صدام حسين.
مشروع علاقات مع اسرائيل سابقاً, ودعم كبير لفصائل المقاومة الفلسطينية, وحزب الله.
لا زالت الذاكرة العربية تستدعي مشاهد الزيارة التي قام بها أمير قطر إلى حزب الله في لبنان, بعيد توقف اطلاق نار حرب تموز 2006, وكيف أنه قدم تبرعات سخية فاقت التبرعات الإيرانية لإعادة اعمار ما هدمه العدوان الإسرائيلي.
ولا زالت الذاكرة العربية تستعيد مشاهد القمة الطارئة التي دعا لها أمير قطر في الدوحة خلال العدوان الإسرائيلي واسع النطاق على قطاع غزة, أواخر 2008, أوائل 2009, في حين كانت الضغوط الأميركية على أشدها لتمنع انعقاد تلك القمة, دون أن تستجيب لها قطر.
الذين يردحون لقطر اليوم, تسابقوا للإشتراك في تلك القمة ضمن وفد فلسطيني ترأسه خالد مشعل, بسبب تغيب عباس, لكن الدوحة حرصت على إبقاء مقعد الرئيس الفلسطيني، والوفد الرسمي الفلسطيني خالياً.
قطر في جميع الحالات كانت تعمل من أجل مصلحتها, ومصلحة الأمة العربية, كما تراها. ولذلك, فإن معظم الذين اختلفوا مع قطر, عادوا إلى ترميم علاقاتهم معها.
ولنعدد..
الرئيس السوري بشار الأسد الذي تعامل, بوساطة خالد مشعل, مع أمير قطر بإعتباره رجلاً عروبياً, بل ومن بين رموز محور الممانعة في العالم العربي.
الأردن الذي أدرك أخيراً, أن الدولة القطرية شديدة الإقتناع بالسياسة الإعلامية لقناة الجزيرة.. قناة الرأي والرأي الآخر, عاد أيضاً إلى ترميم علاقاته مع قطر.
محمود عباس, الذي أعلن الحرب الإعلامية مبكرا على الدولة القطرية, فعاد ولم يجد أفضل من قطر راعياً لمصالحة حقيقية مع حركة "حماس"..
السعودية التي عادت إلى ترطيب علاقاتها مع الدولة القطرية, بعد غضب طال لسنوات.
اليمن.. يمن علي عبد الله صالح، الذي ادهشه الموقف القطري الإيجابي إلى جانب وحدة اليمن ضد الإنفصاليين سنة 1994, وإلى جانب الدولة اليمنية ضد التمرد الحوثي في شمال اليمن, المدعوم ايرانياً, رغم العلاقات القوية التي تربط الدوحة بطهران.
كل هؤلاء وغيرهم, تراجعوا عن اتهاماتهم السابقة للدولة القطرية, بعد أن شهدوا لها بأنها دولة القناعات, والحرص على المصلحة العربية العليا في جميع الحالات.
ولكن, هل من حق عاقل واحد أن يتصور أن تدعو قطر عبر شاشة الجزيرة, إلى الرأي والرأي الآخر, ثم تصمت عن قمع أهل الرأي الآخر بالدبابات والطائرات والصواريخ والمدفعية, دون أن تنشر تفاصيل ما يجري لهم وبهم, وهذا أضعف الإيمان..؟!
هل هنالك من عاقل واحد يمكنه تصور أن تصمت قناة الجزيرة, وتتكتم على اخبار قتل قرابة, وربما ما يزيد عن السبعة آلاف مواطن سوري من اصحاب الرأي الآخر..؟!
وتبقى قاعدة العيديد..
أكثر من يحاول توظيف وجود هذه القاعدة داخل اراضي الدولة القطرية, هم انصار دمشق من فصائل وأحزاب, للأسباب المشار إليها مطلع هذا المقال.
لهؤلاء نقول:
أولاً: إن قطر لا تخفي وجود هذه القاعدة, كما تتكتم سوريا عن القاعدة الروسية في طرطوس, علماً أن المبدأ واحد في الحالتين, مع ضرورة ملاحظة أن قاعدة العيديد يؤمل منها أن تحمي قطر من عدر الزمان، في حين أن القاعدة الروسية في طرطوس لم تعمل على حماية سوريا من أي اعتداء اسرائيلي..!
أولم يسبق لقمة القاهرة في آب/ اغسطس 1990, أن شرعت الإستعانة بقوات اجنبية للدفاع عن احدى الدول الأعضاء في الجامعة العربية (الكويت) وتحريرها من قوات "الغزو العراقي"..؟!
وألم يسبق أن شاركت القوات السورية ضمن قوات الدول الثلاثينية، مدثرة بقرار تلك القمة، وتحت القيادة العسكرية الأميركية, فيما أسمي بحرب عاصفة الصحراء, ضد القوات العراقية, داخل الكويت, كما داخل العراق نفسه..؟!
هل يحق للنظام في سوريا أن يحرم على قطر ما سبق له أن اباحه لنفسه من قبل..؟
ثانياً: إن وجود هذه القاعدة في قطر لم يمنع قطر من اتخاذ العديد من المواقف والسياسات المتعارضة حد التناقض مع مصالح الولايات المتحدة الأميركية, بما في ذلك وقوف قطر ضد التهديدات الأميركية بتوجيه ضربة عسكرية لسوريا سنة 2003, بعد احتلال العراق..!!
وبعد,
إن كانت سوريا تتعرض لمؤامرة, فإن أفضل ما يمكن القيام به لوأد هذه المؤامرة هو وقف القتل اليومي لأبناء الشعب السوري, وتلبية مطالب الشعب في الحرية والديمقراطية, والتداول السلمي للسلطة..!!