صلاح المومني
رحم الله مؤلف كتاب الأغاني أبي فرج الأصفهاني، فقد كرر لنا الكثير من حكايات الجواري في زمن سلاطين خلافتنا العلية. وأمطرنا بأخبار تذهب بالألباب لقصص أبطالها في الغالب أعراب أفظاظ، وضحاياهم هن جواري رقيقات بعنَ في السوق بثمن بخس أو باهظ، كل واحدة حسب مقاييس أولئك الأفظاظ في الجمال والخفة واللباقة والرشاقة.
أبو فرج الأصفهاني يرحمه الله رحمة واسعة بقدر إلمامه بأحوال الجواري ذكر لنا أن بعضهنّ كن يتبارين في الأسواق ليرى النخاسة والأسياد ماهن عليه من رقة وجمال ومهارات، لكنه ذكر أن الأغلى ثمناً بينهن هي البكر مهما كان شكلها ومظهرها الخارجي.
يذكر الأصفهاني في كتابه أن جاريتين وقفتا بجانب سيدهما يريد بيعهما، وحينما جاء المشتري ساسهن وعرف أن إحداهن وهي غير جميلة هي البكر والأخرى الجميلة ليست بكراً. لم يذكر لنا سعادة المؤلف كيف سلمت تلك البكر من الغزو وبقيت على حالها، عموماً ليس هذا هو بيت القصيد، لكن حينما أراد الزبون شراء الجارية البكر رغم أنها غير جميلة، ذهب الغيظ بالأخرى كل مذهب وتساءلت أمام صويحبتها: لم لم يقم بشرائها هي ذلك الفظ الغليظ، فردت الجارية البكر فزادتها سبباً آخر للقهر، ثم رددت على مسامعها "إن يوماً عند ربكِ خير من ألف سنة مما تعدين" فاشتاطت غضبا وقهرها الغيظ لأنها عرفت ان بكارة تلك كانت بكل محاسنها.
الذي نسي ذكره صراحة ذاك الأصفهاني هو أن الجواري كلهن، جميلات أو غير جميلات، ثيبات وأبكاراً، كلهن كنّ يتمتعن بميزة واحدة، وهي أنهن يعشن بلا مشاعر، فلا فرق عندهن بين سيد وسيد، فقد كن يضاجعن سيداً حتى إذا ما مات أو قتل تلهفن إلى أحضان سيد آخر، وكنّ يرين الانتقال من رجل إلى آخر بسهولة شرب الماء. فكانت إحداهن ترى صويحبها مسجىً على الأرض ميتاً أو مقتولاً، فلا تلبث تبكيه ببضع دمعات ينزفن على طريقة دموع الممثلات هذه الأيام، ثم لا تلبث تنتقل إلى سيد آخر بشوق ولهفة ، فهي التي عاشت أمة وجارية بكل المواصفات والمقاييس، ولن تستطيع أبداً أن تتغير إلى سيدة، حتى شجرة الدر، تلك التي استحوذت على قلب وعقل الملك الصالح وحكمت مصر لم تلبث بعده أن انتقلت إلى حضن أحد قواده بعد وفاته.
الموالاة وأنصار الفاسدين في بلادنا العربية هم كذلك، فليس فيهم من هو مخلص ليبقى على عهد سيده، فما أن ينزل سيد عن كرسيه من زعماء هذا الوطن الجريح حتى تتحول أهواء الذين سموا أنفسهم بـ"الموالاة" إلى الزعيم القادم. سبحان مغير الأحوال!!
البلطجية الذين يملؤون الطرقات ويهتفون لفلان وعلان، ليسوا إلا مثل الجواري، فلو سقط فلانهم وعلانهم لرأيتهم يتنظرون بلهفة سيداً جديداً، فقد اعتادوا أن يرفعوا صور أسيادهم ويرقصوا حولها، فالمسألة ليست مرتبطة بسيد معين، بل هي غريزة "الجارية" التي تريد سيداً جديداً حتى وسيدها الأول مازال في أكفانه لم يوسد التراب بعد، أو في السجن أو في الطائرة لترحيله إلى منفاه.
في كتاب الأغاني ورد خبر عن اسحاق الموصلي قال: حدثني أبي قال: غنيت بين يدي الرشيد وستارته منصوبة:
وأرى الغواني لا يواصلن أمراً فقد الشباب وقد يصلن الأمرداً
فطرب واستعاده وأمر لي بمال. فلما اردت أن أنصرف قال لي: يا عاضّ كذا وكذا! –وهي شتيمة سيئة- أتغني بهذا الصوت وجواريّ من وراء ستارة يسمعنه ! لولا حرمتك لضربت عنقك! فتركته والله حتى أنسيته.
أيها السادة: إياكم أن تثقوا بهؤلاء الذين يملؤون الشوارع، إنهم يقودونكم نحو الهاوية وسرعان ما يتحول ولاؤهم حينما تغادرون مواقعكم، إن لم تصدقوني فاسألوا القذافي أو مبارك أو بن علي، فلديهم التجرية وعندهم الجواب الصواب.