علي بدوان*
فقدت ساحة العمل الوطني الفلسطيني واحداً من رجالاتها الأوائل، سنديانة فلسطين، وحامل لقب شيخ المناضلين، المرحوم بهجت أبو غربية (أبو سامي)، الأب الروحي لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، وأحد أجيال الرعيل الذي حمل أعباء مرحلة مابعد النكبة.
ذاك الرعيل من المناضلين الفلسطينيين الذي ضم في صفوفه قادة امجاد فتحوا الطريق أمام إعادة بناء الكيانية الوطنية الفلسطينية بعد عملية التبديد والاقتلاع الوطني والقومي للكيان الوطني الفلسطيني عام 1948. فهو من القيادات التاريخية المؤسسة لمنظمة التحرير الفلسطينية إلى جانب مؤسس المنظمة المرحوم أحمد الشقيري، حيث شغل عضوية لجنتها التنفيذية الأولى، وأعيد تثبيته فيها في دورتين لاحقتين.
هو بالذات من طينة أولئك الرجال الذين التقطوا المرحلة وبنوا عليها سفر النضال الوطني الفلسطيني، إلى جانب ياسر عرفات، والدكتور جورج حبش، وخالد الفاهوم، وطلعت يعقوب، وزهير محسن، والدكتور وديع حداد، والدكتور عبد الوهاب الكيالي، ابراهيم بكر، أحمد اليماني، وأبو علي مصطفى، وخليل الوزير، وصلاح خلف، ومحمد النجار، وكمال عدوان، وسمير غوشة، وعلي بوشناق ... وغيرهم من الرجال الذين تركوا بصماتهم اللامعة على مسار الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة.
بهجت ابو غربية ذاك الرجل القومي بامتياز، الحامل لشعلة الكفاح الوطني الفلسطيني منذ ماقبل النكبة وحتى لحظات رحيله يوم السادس والعشرين من كانون الثاني/يناير 2012 في العاصمة الأردنية عمان. وللمفارقة الملفتة أن يأتي رحيل بهجت ابو غربية في اليوم ذاته لرحيل الدكتور جورج حبش مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وأحد أركان الحركة الوطنية المعاصرة للشعب العربي الفلسطيني.
نشأ بهجت ابو غربية، في بيئة قومية، شق طريقها في فلسطين قبل النكبة، ليصبح بعد النكبة بسنوات قليلة واحداً من الرجال المؤسسين لتنظيم حزب البعث الاشتراكي في فلسطين والأردن عام 1949، وعضواً في القيادة القطرية المسؤولة عن التنظيم الحزبي في فلسطين والأردن، إلى جانب القائد البعثي التاريخي عبد الله الريماوي عضو القيادة القومية لحزب البعث، والشهيد الشاعر كمال ناصر عضو القيادة القومية. والشهيد خالد اليشرطي، وبسام الشكعة، وحمدي عبد المجيد ، ووليد عبد الهادي، وسليمان الحديدي، وروحي الزمر، وبهجت الساكت، وأحمد المرعشلي، ويوسف البرجي، وفريد غنام، وحسني الخفش، والشهيد زهير محسن، وفيصل حوراني، وعبد الله الحوراني، ومحمد أبو ميزر، وكمال كعوش، وعبد المحسن أبو ميزر، إضافة إلى فاروق القدومي (أبواللطف).
نشأ بين الناس في ميدان الحركة القومية وأحزابها في المنطقة، حيث لعب إلى جانب العديد من الشخصيات الفلسطينية المعروفة دوراً كبيراً في تأسيس بدايات الحضور التنظيمي لحزب البعث في الضفة الغربية وقطاع غزة سنوات الخمسينيات من القرن الماضي، إلى جانب عبد الله الريماوي الذي أصدر جريدة البعث في القدس عام 1949.
لقد كان الراحل بهجت أبو غربية من جيل أولئك الفلسطينيين الذين شبوا في إطار الاتجاهات العروبية والقومية داخل صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية الحديثة والمعاصرة في الداخل الفلسطيني وفي باقي مواقع اللجوء والشتات، ومن صنف الذين اندغمت رؤيتهم السياسية والفكرية مع الصعود الهائل للتيار القومي في المنطقة في حينها، وخصوصاً جناحيه الرئيسيين المتمثلين بحركة القوميين العرب، وحزب البعث العربي الاشتراكي، فضلاً عن الحركة الناصرية.
بهجت ابو غربية، عضو القيادة القطرية لتنظيم البعث في فلسطين والأردن، قومياً عربياً حتى النخاع، آمن بالبعث طريقاً نحو فلسطين، وآمن بالوحدة العربية كشرط لا بد منه لانجاز مهمة الوصول إلى فلسطين، لكنه غادر البعث عام 1963، اثر تشكل المحاور والاستقطابات داخل الحزب، ولم يغادر البعث كفكر ورؤية، فساهم بتأسيس جبهة النضال الشعبي الفلسطيني انطلاقاً من مدينة القدس بعيد احتلالها الكامل عام 1967 إلى جانب المناضل الفلسطيني صبحي غوشة، وخليل سفيان، وغيرهم من القوميين العرب من أبناء فلسطين. وعمل بحكم موقعه في اللجنة التنفيذية الأولى لمنظمة التحرير الفلسطينية منذ تأسيسها، وبحكم علاقته مع رئيسها المرحوم أحمد الشقيري على ضم جبهة النضال الشعبي الفلسطيني إلى ائتلاف منظمة التحرير الفلسطينية.
احتفظ بعلاقات حميمية مع الأطر القومية العربية ومنها سورية العربية، التي اعتبرها على الدوام الخامة الحاضنة للمشروع القومي العربي، وللثورة الفلسطينية، فكان على الدوام يعيد أمام الجميع قراءة البديهيات والمسلمات: ففلسطين هي الجزء الجنوبي من سورية، وسورية هي الجزء الشمالي من فلسطين، ولا مكان لسايكس بيكو عنده وعند عموم الشعبين الشقيقين التوأمين السياميين في فلسطين وسورية. وفي هذا الإطار، كان بهجت أبو غربية من جيل التيار القومي العربي المنادي بالوحدة العربية الشاملة والمراهن على العمل العربي المشترك للرد على النكبة ونتائجها، واستعادة الحقوق والأرض الفلسطينية تحت شعار (الوحدة العربية طريق فلسطين).
لقد رحل بهجت أبو غربية، السنديانة الفلسطينية العتيقة الضاربة جذورها داخل تراب فلسطين من خان يونس إلى القدس وجبال الجليل، والممتدة صوب عكا وحيفا ويافا.
لقد عاش بهجت ابو غربية، صادقاً طيب القلب والسريرة، حميد المسيرة والسيرة، لم تجرفه آلاعيب السياسة على حساب المبادىء والقيم، فشمخت به فلسطين مرة ثانية بوفاته.
*كاتب فلسطيني/دمشق
عضو اتحاد الكتاب العرب