صلاح المومني
الأمير حسن الذي صادرت المخابرات شريط الجزيرة الذي أدلى من خلاله بتصريحات غير لائقة بحق النظام قبل أعوام، ودافعنا عنه آنذاك بحجة أنه يمتلك الحق في التعبير عن رأيه ونقد الآخرين، وما زلنا على هذا الرأي له ولكل أردني أو إنسان على الأرض الأردنية.
الأمير "أبو راشد" ظهر مجدداً وربما هي المرة الوحيدة التي استمعت له فيها بعد إقصائه من منصبه كولي للعهد، فكانت لي هذه الملاحظات على ظهوره.
أبو راشد بدا متعالياً بحديثه وغير منسجم شعبياً، ويتكلم بلغة خاصة بمؤتمرات الفكر التي فرضت عليه أو فرض عليها واستمر ينظّر لها حتى يومنا هذا.
لم يكن حديثه متوازناً وكان بوضع الدفاع عن الهاشميين في وجه الحراك الشعبي رغم أن الحراك الأردني لم يمسّ الهاشميين من قريب أو بعيد إلا من خلال بعض الأصوات الشاذة، وهذا يعني أن الأمير كان يرمي لهدف في "نفس يعقوب" وحتى يفصح يعقوب عما في نفسه لن نعرف إلا إن أردنا التخمين فقط.
الأمير يدافع عن أجداده بمهاجمة أجداد الآخرين، وذلك حينما قال: "من يتطاول على اجدادي فلينظر الى اجداده اين كانوا وأين صاروا". والسؤال هنا لماذا؟ وما الذي يدفع أمير بمستواه الثقافي الرفيع للحديث بهذه الطريقة عن أجداده وأجداد الآخرين؟ كان على الأمير أن يكون أكثر هدوءاً حين الحديث عن نفسه وعن الآخر.
نحن نعلم أنه بعد المشروع السياسي القومي العربي الذي قاده الشريف الحسين بن علي لم يكن هناك أي ضمانات لوحدة عربية وانتهت الرسالة التي حملها الشريف بنفيه وطرد الهاشميين من سورية والقضاء عليهم في العراق ولم يبقِ لهم المستعمر إلا الأردن محدود الموارد ذا الخصوصية الدولية والإقليمية، وذلك بهدف إجهاض الرسالة التي حملها الجد وملخصها "مملكة عربية واحدة". فهل يعقل أن نتكلم عن رسالة عربية شاملة ونجعل الأردن والأردنيين بقيادة الهاشميين حصان طروادة للوصول إلى ذلك الهدف المنتهي أصلاً، لنجعل هذا الشعب يعيش أزمة مواطنة وهوية وانتماء وخبز وهواء وبيئة وكل ما إلى ذلك من أزمات؟ بالتأكيد هذا ليس ممكناً.
لو استمرت دولة الهاشميين في سورية أو العراق أو في الحجاز لكانت فرصها أقوى بقيادة الأمة نحو هدف قومي. لكن في الأردن يجب أن يتغير الهدف ويتحول لأن مقومات هذه الدولة لا تحتمل مثل هذا الفكر وهذا الحلم، فالأردن بطاقاته المحدودة دون إرادة للوحدة من قبل دول عربية أخرى، لن يكون قادراً على مثل هذه الرسالة التي يتحدث عنها الأمير.
يجب أن يعلم الأمير أن المطالب الشعبية الأردنية لا تتعدى الحد الوطني في هذه الفترة، ولا تتعدى مطلبين أساسيين، الإصلاح ومحاربة الفساد. وليس همّ الأردنيين وطن عربي من المحيط إلى الخليج، في وقت لازال يطرد الأردنيون عن الأبواب ويصنف إنضمام الأردنيين "للخليجي" من منطلق حاجة الأردنيات للفحول الخليجية كما جاء في مقالة الكاتب الشاذ فؤاد الغاشم، وكما تم الرفض لعضوية الأردن من قبل حكومات ومسؤولين في دول الخليج.
بالعربي يا سمو الأمير "الشعب بده خبز يوكل"، وما عاد بفكر يصير بطل قومي واللي بده يصير بطل قومي ويستعيد الأمجاد ويحقق أحلامه عليه أن يطعم هذا الشعب الذي مازال يأكل من الحاويات منافساً للقطط والكلاب الضالة.
أبو راشد قال لمن دعاه للحضور إلى ساحة النخيل لحضور المهرجان أو الاعتصام: "والله لو جيتكم لنخـّـلـكم كلكم"، وما أدري ما مناسبة التنخيل هنا، ألم يكفِ الأمير ثلاثة عقود ونصف من التنخيل أيام حكم الأمير حيث "نخّل" الأرض والإنسان ونخّل وطن بأكمله لمصالحه.
الفساد بدأ في عهد الأمير وأمام عينيه وترعرع اليوم فهل ينبغي أن "ينخّل" المطالبون بالإصلاح على يد الأمير؟ أم عليه أن يكشف الأوراق القديمة لينال الفاسدون جزاءهم وتعود للشعب حقوقه؟
صوت الأمير اليوم رغم علوّه كان صوتاً ضعيفاً "مبحوحاً" لا يقوى على صد أصوات الجياع والمحرومين والمطالبين بمحاسبة الفاسدين. ولا يقوى على مقارعة تلك الجماهير التي وضعت كل مطالبها في مسألتين أساسيتين، إصلاح النظام ومحاربة الفساد.
كنا نتوقع أن يتواضع الأمير بعض الشيء في حديثه، خصوصاً أنه يظهر للأمة مفكراً ومنظّراً، لكنه يبدو أنه "غايب فيله" ولا يعرف بعد ما يريده الشعب الأردني بغض النظر عن الشعارات الإنسانية التي طرحها.
ترى والله يا أبو راشد لو نخّلت الشعب كله "نخالة ناعمة أو خشنة" ما بغطي القبور الرومانية اللي نبشوها الحرامية بعهدك وهمه بدوروا على ذهب روماني.